محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي

153

أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه

عقاب وظراب وجبال ، فأرسلت بأموال عظام ، ثم أمرت من يزن عينها الأولى ، فوجدوا فيها فسادا ، فأنشأت عينا أخرى إلى جنبها ، وأبطلت تلك العين ، فعملت عينها هذه بأحكم ما يكون من العمل ، وعظمت نيتها في ذلك ، فلم يزل العمّال يعملون ، حتى بلغوا ثنيّة خلّ « 1 » ، فإذا الماء لا يظهر على ذلك الجبل إلا بعمل شديد ، وعزم فظيع ، وضرب في الجبل ، فأمرت بالجبل فضرب فيه بالزبر « 2 » ، وأنفقت في ذلك من الأموال ما لم يكن تطيب به نفس أحد ، حتى أجراها اللّه - تعالى - وأجرت فيها عيونا من الحلّ منها : عين مشاش « 3 » ، واتخذت لها بركا تكون السيول إذا جاءت تجتمع فيها ، ثم أجرت لها عيونا من حنين ، واشترت حائط حنين ، فصرفت عينه إلى البركة ، وجعلت حائطه سدّا تجتمع فيه السيول ، فأهل مكة يشربون من مائها إلى يومنا هذا « 4 » . وكان الناس يستقون من هذه البركة الكبيرة التي بأعلى مكة ، حتى كانت سنة عشر ومائتين ، فكتب صالح بن العباس إلى أمير المؤمنين المأمون يستأذنه في عمل البرك الصغار التي في فجاج مكة ، وأن يكون ذلك منه ، فكتب إليه يأمره أن يتخذ له بركا في الفجاج خمسا لئلا يتعنّى أهل المسفلة وأهل الثنيّة « 5 » ، وأجيادين ، والوسط ، إلى بركة أم جعفر بالمعلاة ، فأجرى من بركة

--> ( 1 ) ستأتي في المباحث الجغرافية ، وتقع قبيل أعلام الحرم في طريق الطائف على اليمانية . ( 2 ) الزبر : جمع زبرة ، وهي : القطعة الضخمة من الحديد . يريد قضبان الحديد الضخمة . تاج العروس 3 / 231 . ( 3 ) عين مشاش ، تسمّى اليوم ( عين الشرائع ) أو ( عين حنين ) . وهي اليوم لا تسير إلى مكة ، بل يزرع الناس عليها هناك . وتبعد عين حنين ( 36 ) كلم عن المسجد الحرام إلى الشرق . معالم مكة التاريخية ص : 88 . ( 4 ) الأزرقي 2 / 230 - 231 . ( 5 ) هي الثنية السفلى ، التي يسن الخروج من مكة عليها ، وتسمّى ( كدى ) بضم الكاف والقصر . وتسمّى اليوم : الشبيكة أو ( ريع الرسّام ) .